الوزير الهلالي الشربيني: لا يوجد تعليم محايد .. والبعض يحاول «عقلنة» ما لا يقبله العقل

خرج الوزير الهلالي الشربيني وزير التربية والتعليم السابق وصاحب إستراتيجية منظومة التعليم الجديدة التي تم تشويهها وإختزالها في «تابلت» عن صمته وبدأ سلسلة مقالات عنونها بـ : خواطر حول تطوير التعليم من منظور نقدى..
الأستاذ الدكتور الهلالى الشربينى الهلالى أستاذ تخطيط التعليم بجامعة المنصورة ووزير التربية والتعليم والتعليم الفنى السابق الذي تمت محاربته بجميع الوسائل لافشاله وزحزحته من الوزارة نجح في وضع منظومة تعليم رائدة تستحق إسم مصر وهي منظومة التعليم ضمن الخطة المستدامة للدولة والتي تمت بتوجيهات القيادة السياسية وحوار مجتمعي وورش عمل شارك فيها أساتذة جامعات من جميع التخصصات ومعلمين من المدارس وطلاب لبناء منظومة متكاملة للتعليم قبل الجامعي ابتداء من تطوير شكل الدراسة في المراحل الأولى وانتهاء بالثانوية العامة .. وهي الخطة التي تم القفز عليها بعد تركه الوزارة وتم تشويهها واختزالها وإعادة إنتاجها بملايين الدولارات رغم أن المنظومة الأصلية لم تكلف الدولة مايما واحدا ..
يقول الدكتور الهلالي الشربيني في خواطره التي نشر الحلقة الأولى منها على فيسبوكـ : يمثل الاتجاه النقدى فى التربية إطارًا يتم من خلاله نقد النظام الاجتماعى القائم، والكشف عن سلبياته، سعيًا للوصول إلى نظام اجتماعى أكثر مثالية تختفى منه السلبيات وتسود الإيجابيات، وتعود أصول الاتجاه النقدى إلى مدرسة فرانكفورت النقدية، التى كان من أشهر أعضائها: (ماكس هوركهايمر 1895-1973) ، و(تيودور أدورنو 1903 – 1969) و(هربرت ماكويز 1898 -1982) ، وتتضح أهداف هذا الاتجاه من خلال كتاب ماكس هوركهايمر الذى صدر في عام 1947 تحت عنوان: “النظريَّة النقديَّة والنظرية التقليدية” ، حيث يجملها هذا الكتاب فى جانبين هما: الوعي الذاتي، والنقد الاجتماعي الساعي إلى التغيير والتحرر من خلال التنوير.
ويهتم الاتجاه النقدى فى التربية ليس فقط بالكيفيَّة التي تسير عليها أمور النظام التعليمى فى الواقع الميدانى وإنما أيضًا بالكيفيَّة التي يمكن أن تصبح عليها أمور هذا النظام، كما أنه يحاول الكشف عن الاهتمامات الحقيقية لكل أطراف العملية التعليمية ، ومن ثم تمكينهم من التحرر من خلال استثمار تلك الاهتمامات والكشف عن العوامل التى تعيقهم من المشاركة فى صنع القرارات التي تؤثِّر في حياتهم والعمل على إزالتها .
ويؤكد الاتجاه النقدى فى التربية على أهمية التوسع فى التعليم ورفع كفاءته بحيث يقدم نوعًا من المعرفة للطلاب تعمل ليس فقط على تحسين مواقعهم في سوق العمل؛ بل معرفة تساعدهم على إدراك الكيفية التي تعمل بها الأشياء، ومن ثم تمكينهم من المشاركة فى صنع القرارات التى تؤثر فى حياتهم وتجابه أى أفكار سلطوية تقهرهم.
والتعليم من المنظور النقدى لم يعد الشئ الوحيد الذي يحدد مستوى الوظيفة والمكانة الاجتماعية والاقتصادية مثلما كان فى فترات زمنية سابقة، ولكن ظهرت عوامل أخرى أو أعيد إنتاجها وأصبحت في غاية الأهمية منها الجنس واللون والمستوى الاقتصادي والاجتماعي وسمات الشخصية؛ بدليل أن الخلفية الاجتماعية الاقتصادية للطفل صارت تؤثِّر فى معظم الأحيان في مستواه الاقتصادي والاجتماعي في الكبر حتى وإن لم يكمل تعليمه ، كما أن التعليم لم يؤدِّ فى معظم مناطق العالم إلى إزالة فقر أطفال العمال والأقليات.
وفى هذا الإطار نجد أن التعليم فى مصر بعد ثورة 1952 كان يمثل أداة ووسيلة للديناميكية والحراك الاجتماعى والاقتصادى للأفراد والجماعات؛ حيث إن كثيرًا من أبناء الطبقات الفقيرة الذين استفادوا من مجانية التعليم وأكملوا تعليمهم قد تحسن وضعهم الاجتماعى والاقتصادى ، لكن الأمور الآن قد اختلفت إلى حد كبير فى معظم دول العالم وأصبح التعليم إلى حد ما يمثل وسيلة للثبات والجمود الاجتماعي وانتقال اللامساواة من الآباء للأبناء عن طريق توفير أو توريث فرص لأبناء الطبقات العليا والمتوسطة، غالبًا ما لا يستطيع أبناء الطبقات الدنيا من الوصول إليها.
ولا شك أن التعليم والمعلمين يلعبون دورًا مركزيًّا في إعادة الإنتاج الاجتماعي وترسيخ الطبقية من خلال قدرتهم على عقلنة ما لا يقبله العقل، وكذا إسكات الناس والرضا ببنية القوَّة في مجتمعاتهم من غير اعتراض، وهذا هو الجانب الاستعماري في التعليم، وهو ما يؤكده قول البرازيلي باولو فريري: “التعليم عملية سياسية كما أن السياسة عملية تربويَّة”، وكذا مقولته: “ليس هناك تعليم محايد فهو إما للقهر أو للتحرير”.
وفى هذا الإطار يجب أن ننتبه إلى أن تبعية الدول الفقيرة والضعيفة للدول التى تمتلك رأس المال وأدوات الإنتاج- تنعكس سلبًا على التعليم؛ الذى يعزز بدوره هذه التبعية ؛ حيث إن التعليم في الدول الرأسمالية يدور حول حرية البحث والابداع والوصول إلى المعارف الإنتاجيَّة؛ بينما يدور التعليم في الدول الفقيرة والضعيفة حول المعرفة الاستهلاكية بدعم وتعزيز بل وإصرار مباشر أو غير مباشر فى غالب الأحيان من القوى الرأسمالية المؤثرة والمستفيدة من هذا الوضع اقتصاديًا وثقافيًا وعسكريًا .
ويتجلى ذلك بوضوح فى الدول الفقيرة والضعيفة فيما يطلق عليه باولو فريري “التعليم البنكي” الذى ينحصر دور الطالب فيه في الحفظ والتذكر, ودور المعلم فى تلقين الطالب وتحفيظه للمعلومات ، وهو ما يعرف بعملية “الإيداع البنكى” أى إيداع المعلومات فى رأس التلميذ حتى يأتى يوم الاختبار فيقوم باسترجاعها وكبها فى ورقة الامتحان، الذى غالبًا ما يعتمد فقط على قياس قدرة الطالب على الحفظ واسترجاع المعلومات.
وفى هذا السياق يتضح أن دور النظام التعليمي فى أى مجتمع لا يكون حياديًّا، حيث إن معالجة هذا النظام لكثير من القضايا تكون معالجة سياسيَّة اجتماعيَّة في المقام الأول بما يخدم النظام السياسى والاجتماعى سواء الوطنى الذى يسعى إلى تحرير أفراده وجماعاته بما يمكنهم من المشاركة فى صنع القرارات التى تمس حياتهم ومجتمعهم ، أو الاستعمارى الذى يحاول بشتى الطرق التحكم فى أى نظام تعليمى من خلال خبراؤه وشركاته وأدواته ، ومن ثم توجيه بوصلته بما يخدم مصالحه الثقافية والاقتصادية والعسكرية .



